مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص
مؤسسات المجتمع المدني في الأردن
تعد مؤسسات المجتمع المدني من المؤسسات ذات الوزن الثقيل في التأثير على المشهد العام في الأردن وخصوصاً على المشهد الثقافي، حيث بدأ تأثير مؤسسات المجتمع المدني في التصاعد وبدأت هذه المؤسسات تنمو بتسارع كبير في العقد الأخير، وجاء هذا نتيجة لمجموعة كبيرة من العوامل يقع على رأسها تراجع أدوار المؤسسات الناشطة في الفضاء العام وعلى رأسها الأحزاب السياسية وخصوصاً بعد تجربة الربيع العربي التي ارتدت بحمولة كبيرة من اليأس وفقدان الأمل بالعمل السياسي والعمل العام عموماً بوسائله وطرقه التقليدية ليتوجه الشباب من ذلك الحين إلى تطوير آليات التعبير والانخراط في أشكال جديدة من التنظيم على رأسها مؤسسات المجتمع المدني ووسائل التواصل الاجتماعي البعيدة عن أشكال التنظيم كليّاً. تأخذ مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية في الأردن أشكالاً عديدة تطورت مع تطور الحالة التنظيمية والتشريعية في البلاد، وهنا نذكر أهم هذه المؤسسات: تحصل الجمعيات تمويلاً حكومياً يقترب من مليون دينار سنوياً ويتم توزيعها وفقاً لمعايير محددة وشروط يتم وضعها الجمعيات لكي تستوفي تحصيل الدعم، ويهدف هذا الدعم لاستدامة أعمال هذه الجمعيات وتنمية أنشطتها ومشاركاتها في الفضاء العام. كما تتوزع الجمعيات في الأردن على الخريطة الأردنية بصورة تتناسب مع أزمة التوزيع الديمغرافي التي يعيشها الأردن، حيث أن الجمعيات في غالبها تتركز في العاصمة والوسط عموماً ومحافظة أربد في الشمال، بينما نرى أعداد أقل بكثير في محافظات الجنوب الأردني كما يظهر الشكل التالي توزيع الجمعيات وفقاً للوزارة والمحافظة:
إن واحدة من أهم التشكّلات المؤسسية في الأردن هي الجمعيات، ويتم ترخيص الجمعيات في الأردن وفقاً لقانون الجمعيات رقم 51 لعام 2008، والذي جاء ليؤكد على الحق الدستوري بتشكيل الجمعيات، يتم ترخيص الجمعيات فيما يسمّى سجل الجمعيات، وهو مؤسسة إدارية تم تأسيسها لمراقبة شؤون الجمعيات وأعمالها وترخيصها، ويتبع السجل إلى وزارة التنمية الاجتماعية إلا أن في إدارة السجل أعضاء ممثلين عن مجموعة من الوزارات المعنية، حيث أن السجل هو المنظم للأعمال ما بين الوزارات والجمعيات لكنه لا يتابع أعمالها مباشرة بل تتم متابعة أعمالها من قبل الوزارة ذات الصلة بأعمال الجمعية، حيث يضم السجل اليوم 6610 جمعية تتبع لـ 14 وزارة .
تتبع لوزارة الثقافة يبلغ عددها 754 جمعية، بنسبة 11% من الجمعيات الموجودة في المملكة، وهذا يدلل على تأثير قطاع الجمعيات في العمل الثقافي وفي قدرتها على الإسهام فيه وأن تكون فاعلاً أساسياً في تطويره والدخول في شراكة حقيقية مع مؤسسات الدولة الحكومية لتطوير الواقع الحالي للعمل الثقافي.
سبق وأن فصّلنا سابقاً في فصل التشريعات في ما يخص الشركات غير الربحية، وهي الشركات الغير هادفة للربح وفقاً لتعريف النظام الخاص بها، ومؤخراً أصبحت الشركات غير الربحية أحدى الخيارات المهمة في العمل العام ،حيث أن الشركات غير الربحية تتيح شكلاً متقدّماً من أشكال تنظيم العمل العام، وأهم ما يمكن إيراده كإيجابية من إيجابيات وجود هذه المؤسسات أنها تمنح فرصاً أكثر أماناً واستقراراً بالنسبة للأفكار الخاصة في تطوير المجتمع، فبالنسبة للجمعيات فإنها مؤسسات تكون فيها عملية الإدارة عملية تشاركية على نطاق واسع ويؤثر فيها عمليات الانتخاب وتبدل الإدارات وفقاً لما تقرره الهيئات العامة للجمعيات، ويقدم كثيرون خيار الجمعيات المغلقة أو الجمعيات الخاصة كخيار بديل عن الشركات غير الربحية إلا أن الجمعيات الخاصة لا تتمكن وفقاً لقانون الجمعيات من تحصيل التمويل وتكتفي بما يقدم لها من قبل الأعضاء المؤسسين، في حين أن الشركات غير الربحية تمتلك حق التقديم على طلبات المنح والتمويل والحصول على تبرع من أطراف متعددة حيث تشير الإحصاءات إلى أن الشركات غير الربحية حصّلت في عام 2022 قرابة 47 مليون دينار أردني على شكل منح وتمويلات مشاريع، من هنا شكّلت الشركات غير الربحية منفذاً للأشخاص الذين يملكون أفكاراً خاصة في ما يخص العمل العام والتنموي والثقافي غير الهادف للربح، عدا عن أن وزن التعقيدات والرقابة الإدارية على هذه المؤسسات يكون أقل بكثير منه على الجمعيات.
من الصعب العمل على رصد وتصنيف الشركات غير الربحية بذات الطريقة التي قمنا فيها بتصنيف الجمعيات إذ أن الشركات غير الربحية تعتمد في تحديد نطاق أعمالها على مفهوم "الغايات" الذي يؤطر أعمالها، وفي ما يخص الغايات فإنها غالباً ما تكون ذات نطاقات واسعة يمكن أن تتقاطع مع أكثر من ملف وقطاع، ولكن ما يمكن قوله أن معظم هذه الشركات تملتك تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على العمل الثقافي، ويقع العمل الثقافي ضمن نطاق أعمالها بطريقة أو أخرى، ومن هنا يمكن القول أن هذه المؤسسات تأتي من ناحية الوزن في الدرجة الثانية بعد الجمعيات في التعبير عن المجتمع وتوجهاته، وفي القيام بأدوار ثقافية متنوعة.
إن المؤسسات الدولية المقصودة هنا هي المؤسسات غير الحكومية (NGO’s) حيث تمتلك هذه المؤسسات تأثيراً فوقياً على الفضاء العام الثقافي، سواءً من خلال قدرتها على التأثير في الحالة الثقافية من خلال صلاتها بالمؤسسات الاجتماعية والمدنية المختلفة، أو من خلال علاقتها بالمؤسسات الحكومية.
إن دور المنظمات الدولية في غاية الأهمية على أكثر من صعيد، حيث إن هذه المؤسسات وبشكل أساسي تشكل مورد دعم قوي للغاية على الصعيد المادي، وتشكل فرصة تشغيل ممتازة للشباب الأردني العامل في هذه القطاعات، وتشكل فرصة مهمة في تشغيل البرامج والمشاريع والأفكار التي تبقى معطلة لفترات طويلة بسبب الافتقار إلى القدرات المادية لتشغيلها، كما أن من أهم ما تأتي به هذه المؤسسات أنها تشكل بوابة ممتازة للاتصال مع الثقافات الأخرى وتداول الخبرات من خلال المشاريع المشتركة، وهي فرصة مستمرة ومهمة لعرض ثقافة المجتمع الأردني في فضاءات ومساحات أوسع، في ذات الوقت الذي تتيح فيه هذه المنظمات للخبرات المنوعة الأجنبية أن تتصل بالفواعل الثقافية المحلية.
تشكّل النقابات عموماً عاملاً مهمّاً في رفد وتطوير الفضاء الثقافي بصفتها أحد أهم الأجسام المنظمة التي تعبر عن مصالح فئات من المجتمع التقت على قاعدة المهنة، إلا أنها تؤثر من خلال أعمالها وسلوكها العام على الفضاء الثقافي المشترك، وفي حين أن نقابة الفنانين لربما تكون الجسم النقابي الأبرز الذي يقع على تماس واتصال مباشر مع العمل الثقافي، إلا أن نقابات أخرى مثل نقابة الصحفيين التي تظم معظم العاملين في قطاع الإعلام، ونقابة المعلمين التي تظم مجموعة جيدة من مدرسي الفنون والثقافة والموسيقى، هي نقابات ذات تأثير على العمل الثقافي.
يكمن الدور الأساسي للنقابات وتحديداً نقابة الفنانين في الحفاظ على مصالح الشريحة العاملة في قطاع الثقافة ورصد الانتهاكات الحاصل في حقّهم وتسهيل أعمالهم وأن تشكل خط الدفاع الأول عن حقوقهم ومصالحهم ومنصة التعبير عنها، كما أن عليها أن تعمل علة رفع كفاءة الوسط الثقافي والفني الحاضن للفنانين والمثقفين، وعليها أن تعمل على تجسير العلاقات بين الفنانين المحليين والدوليين، وبناء شراكات مستدامة مع قطاعات فنية حول العالم، كما أن من شأنها العمل على تطوير رؤى واستراتيجيات تخدم الوسط الفني ومشاركتها مع الفواعل المختلفة على رأسها القطاع الحكومي، وتوفير البرامج التأهيلية للفنانين ورفع كفاءتهم والحرص على استقرار أوضاعهم المختلفة ابتداءً من الأوضاع المعيشية من خلال توفير صناديق التقاعد والتأمينات الصحية ووصولاً إلى حالتهم الفنية والعملية.
لا يمكن حصر الفواعل الثقافية في المؤسسات التي أوردناها سابقاً إلا أنه وكما أسلفنا سابقاً في ما يخص المؤسسات الحكومية ذات التأثير على الفضاء الثقافي؛ فإننا نحاول العمل على رصد المؤسسات ذات الاتصال المباشر والملموس بوضح على القطاعات الثقافية والفنية المنوعة، حيث أن هناك العديد من المؤسسات مثل المراكز الثقافية والرياضية الشبابية التابعة لوزارة الشباب، والمنصات الإعلامية المختلفة من قنوات وإذاعات ومسارح ومكتبات ومتاحف خاصة، ومؤسسات تابعة للقطاع الخاص مثل مؤسسة عبد الحميد شومان، ويمكن القول أيضاً أن البنوك الأردنية عموماً وليس البنك العربي من خلال ذراعه – شومان – جميعها تمتلك تأثيراً على الحالة الثقافية، وحتى الشركات المختلفة التي تقدم دعماً مالياً أو لوجستياً للجمعيات والمؤسسات الفاعلة مثل شركة البوتاس وشركة الفوسفات والبرومين وشركات مثل شركات الاتصالات هي جميعها مؤسسات فاعلة وناشطة ومؤثرة على الفعل الثقافي ولا يجب إغفال أدوارها في تطوير الواقع الثقافي عند تناوله وتحليله ومحاولة فهم آليات تطويره.

