الثقافة في التشريعات والاتفاقيات الدولية

الاتفاقيات والتشريعات الدولية
إن الاتفاقيات والتشريعات الدولية كثيرة والتفرعات الناتجة عنها أيضاً واسعة ومتعددة، لكن يمكن القول أن أهم النصوص الدولية هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن أهم ما تناول الحقوق الثقافية لاحقاً له هو العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقد صادق الأردن على كليهما مع بعض التحفظات، والتعليق رقم 21 على العهد الخاص من قبل اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية و التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة والذي جاء بأهم التعاريف والشروحات للحقوق الثقافية والممارسات الفضلى بخصوص تنظيم الفضاء الثقافي .
الاتفاقيات والتشريعات الدولية

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

لربما يكون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الوثيقة الأهم في المجتمع الدولي بعد ميثاق الأمم المتحدة ومن أهم عناصر الشرعة الدولية، والأكثر انتشاراً في العالم، وقع الأردن على الاتفاقية عام 1980 وصادق عليها عام 1992 مع بعض التحفظات على بعض مواد الإعلان، تناول الإعلان العالمي مجموعة من الحقوق والحريات ومنها ما هو معني بالثقافة تحديداً.

تناول في المادة 19 حق التمتع بحرية الرأي والتعبير وتعتبر هذه المادة من أهم المواد المؤصلة للحراك الثقافي حيث تنطوي طبيعة النشاط الثقافي على تباينات وتنوع كبير يلزم معه وجود مبدأ يرعى حرية التعبير عن الرأي والتعبير.

تناول الإعلان العالمي في المادة رقم 20.1 حق كل شخص بالاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية وهي من أهم أدوات الفعل الثقافي وتنظيمه وجمع الفاعلين فيه، كما أكدت في المادة رقم 23.4 على الحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها لحماية مصالح الفئات المشتركة.

في المادة رقم 22 اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحقوق الثقافية لا غنى عنها لكرامة الإنسان وتنامي شخصيته بحُريّة.

أكدت المادة 27.1 من الإعلان على حق كل شخص بكل من "المشاركة " و "الاستمتاع" بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي وأكدت المادة في بندها الثاني على حق كل شخص في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي انتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه، وتكم أهمية هذه المادة في ضمان ديمومة الإنتاج الفني وتنمية عملية الصناعة الثقافية من خلال حماية حقوق ومصالح منتجيها.

الاتفاقيات والتشريعات الدولية

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

يعد العهد أحد عناصر الشرعة الدولية إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، صدر العهد عام 1966 وبدأت نفاذيته عام 1976، فيما وقّع الأردن عليه عام 1972 وصادق عليه عام 1975 أي قبل بدأ نفاذه بعام.

أكدت المادة رقم 6.2 من العهد على ضرورة الأخذ بسياسات وتقنيات من شأنها أن تحقق تنمية ثقافية إلى جانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية خصوصاً في مجال توفير حق العمل.

حقوق الأشخاص في تكوين النقابات التي تحمي مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية وهو ذاته ما أكد عليه سابقاً نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتكمن أهمية هذه المادة كما ذكرنا سابقاً أن النقابات تشكل أهم أدوات تنظيم الفعل الثقافي والفني والتعبير عن مصالح الناشطين فيه.

تناولت المادة 15 من العهد الحقوق الثقافية بشكل لتفصيلي ومسؤولية الدول تجاه حماية هذا الحق وضمانه إذ أكدت على حقه في المشاركة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته والاستفادة المعنوية والمادية من أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه، وتؤكد على مسؤولية الدول الأطراف في العهد في اتخاذ التدابير لضمان ممارسة هذه الحقوق واحترام حرية البحث العلمي والنشاط الإبداعي، وأن تقر بالفوائد الناجمة عن تشجيع وإنماء الاتصال والتعاون الدولي في ميداني العلم والثقافة.

الاتفاقيات والتشريعات الدولية

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

تكمن أهمية التعليق العام رقم 21 على الفقرة 1 من المادة 15 في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأن يأتي مفصّلاً للعموميات التي يتناولها العهد، ويفسّر معانيها، والالتزامات التفصيلية تجاهها، ويمكن من خلال التعليقات استخلاص المفاهيم الضرورية والمهمة التي قد تكون مبهمة في كثير من الأحيان أو غير واضحة الأطر وتسبب اختلافاً عند محاولة تثبيتها، ولاحتوائه على هذه التفاصيل يمكن القول بأنه الوثيقة الأكثر أهمية في تحديد الحقوق الثقافية والممارسة الفضلى تجاه الفضاء الثقافي وطرق تنظيمه وأنه أهم مرجعية دقيقة في هذا الخصوص.

في المقدمة والمنطلقات الأساسية أكد التعليق على أن "الحقوق الثقافية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وهي مثل الحقوق الأخرى عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة"، والأصل في هذه المادة أنها تعالج مشكلة التعامل مع الثقافة على أنها عنصر من عناصر الرفاهية، وأن الحقوق الثقافية حقوق لاحقة لحقوق الإنسان الأساسية، بينما تشكل الثقافة ركناً أساسياً في بناء المجتمعات وتنظيمها ورفع سوية عيشها وممارستها الفردية والمشتركة، ومن الجدير بالقول هنا أن معظم الملاحظات التي جاءت على سوء الممارسة تجاه الثقافة كانت ترتبط بشكل أو بآخر بعدم الاهتمام بها واعتبارها ثانوياً كمالياً في عملية التنمية .

في المضمون المعياري من التعليق تم وصف الحق في المشاركة الثقافية بأنه "حرية " وهنا تم تعريف الدور العام للدولة تجاه الثقافة بأنه يكمن في الامتناع عن التدخل في الممارسات الثقافية وسبل الحصول على السلع والخدمات الثقافية أولاً، واتخاذ إجراءات إيجابية بتوفير شروط المشاركة وتيسير الحياة الثقافية وتعزيزها والوصول إلى السلع والحفاظ عليها ثانياً.

في النقطة رقم 10 من التعليق عملت اللجنة على تعريف الحياة الثقافية بأنها "مفهوم واسع شامل يتضمن جميع مظاهر الوجود البشري واعتبارها عملية حية تاريخية ودينامية ومتطورة ذات ماض وحار ومستقبل وأكدت في النقطة رقم 11 أن مفهوم الثقافة "ليست سلسلة من المظاهر المنعزلة أو الوحدات محكمة الغلق، بل عملية تفاعلية يعبّر بموجبها الأفراد والمجتمعات، مع احتفاظهم بخصائصهم وأغراضهم عن الثقافة الإنسانية"

في النقطة رقم 13 حددت اللجنة أن الثقافة تشمل كل من:

  • أساليب الحياة
  • اللغة والأدب الشفوي والمكتوب والاتصال غير الشفوي
  • الموسيقى والأغاني الطقوس والاحتفالات
  • الدين ومجموعات المعتقدات والرياضة والألعاب
  • أساليب الإنتاج والتكنولوجيا
  • البيئات الطبيعية والاصطناعية
  • المأكل والملبس والمأوى والفنون والعادات والتقاليد

والتي يعبر الأفراد والمجموعات والمجتمعات من خلالها عن إنسانيتهم والمعنى الذي يعطونه لوجودهم..

عرف التعليق مفهوم المشاركة في الحياة الثقافية وقسمه إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أ – الاشتراك: ويغطي الحق بالتصرف بحرية واختيار الهوية والارتباط أو عدمه بمجتمع أو عدة مجتمعات وتغيير هذا الاختيار والانخراط في الممارسة الثقافية والتعبير عن نفسه باللغة التي يختارها والسعي إلى التوصل إلى المعارف الثقافية وأشكال التعبير الثقافي وتقاسمها والعمل على نحو إبداعي والمشاركة في النشاط الإبداعي.

ب- الوصول: ويغطي حق الفرد بمعرفة وفهم ثقافته وثقافة الآخرين من خلال التعلم والإعلام ومعرفة أشكال التعبير والنشر واتباع أسلوب حياة مرتبط باستخدام السلع والموارد الثقافية والإفادة من الثقافي وإبداع غيره من الأفراد والمجتمعات.

ج- الإسهام: الحق في المشاركة في إيجاد أشكال تعبير المجتمع المادية والروحية والفكرية والعاطفية وتحديد ووضع وتنفيذ السياسات والقرارات التي لها تأثير على ممارسة الشخص لحقوقه الثقافية.

أكد التعليق على خمس عناصر للحق في المشاركة الثقافية:

  • التوافر وهو وجود السلع والخدمات الثقافية.
  • إمكانية الوصول وهي الفرص الملموسة والفعالة المتاحة للأفراد للتمتع بالثقافة والمتوفرة مادياً وجغرافيا.
  • المقبولية أن تكون التشريعات والسياسات مقبولة من قبل الأفراد والمجتمعات المعنية وهذا يستلزم المشاورة معهم
  • القابلية للتكيف وتعني مرونة وملائمة الاستراتيجيات والسياسات والإجراءات التي تتخذها الدولة مع التنوع الثقافي للأفراد والجماعات
  • الملائمة وتعني إعمال حقوق الإنسان أو أي حق محدد من حقوق الإنسان بطريقة ملائمة ومناسبة للأسلوب أو السياق الثقافي، مثل الحق في الغذاء أو الماء أو أي حق آخر.

تناول التعليق في فرع جيم مجموعة من القيود على الحق في المشاركة الثقافية وأطرها بشكل واضح:

  • مراعاة الخصوصيات الوطنية والإقليمية والخلفيات التاريخية والثقافية والدينية المختلفة، ومن ثم فإنه لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي لكي ينتهك حقوق الإنسان التي يضمنها القانون الدولي أو لكي يحد من نطاقها.
  • قد يلزم في بعض الظروف فرض قيود على حق كل فرد في أن يشارك في الحياة الثقافية وبصفة خاصة في حال الممارسات السلبية وخصوصاً المرتبطة بالعادات والتقاليد التي قد تنتهك حقوق إنسانية أخرى، ويجب أن تكون هذه التدابير متناسبة أي أنه يتعين اتخاذ أقل التدابير تقييداً عندما يكون هناك حاجة لذلك.

أكدت الفقرة دال من التعليق على ضرورة عدم التمييز والمساواة في المعاملة، وأنه لا يجوز التمييز ضد أي شخص بسبب اختياره أن ينتمي أو لا ينتمي لمجتمع معين أو جماعة ثقافية معينة أو أن يمارس أو لا يمارس نشاطاً ثقافياً بعينه، ولا يجوز حرمانه من السلع والخدمات الثقافية

تؤكد الفقرة هاء من الإعلان على أن هناك فئات مجتمعية بحاجة إلى حماية خاصة فيما يتعلق بحقوقهم الثقافية، وحددت هذه الفئات بكل من النساء، والأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأقليات والمهاجرون والشعوب الأصلية، والفئات الفقيرة